محمد أحمد خلف الله
69
الفن القصصي في القرآن الكريم
أما إن هذه الأخبار من المعجزات فأمر أعاد العقل الإسلامي التفكير فيه وانتهى به هذا التفكير إلى أن هذه الأخبار لم تكن فيما هو الواضح من آيات القرآن مناط الرد على المشركين من أهل مكة ولا موطن التحدي حتى يصح القول بأنها إحدى المعجزات . فكر العقل الإسلامي في هذه الأخبار فرأى أولا أن الكثير منها كان معروفا بالجزيرة العربية قبل البعثة المحمدية ومعروفا المعرفة التي جعلت المفسّرين يعلّلون بلاغيا بهذه المعرفة التركيب القصصي القرآني أَ لَمْ تَرَ . جاء في الرازي عند تفسيره لقوله تعالى أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ . . . « 1 » إلخ . من سورة الفجر ما يلي : « ألم تر ألم تعلم لأن ذلك مما لا يصح أن يراه الرسول وإنما أطلق لفظ الرؤية هاهنا على العلم وذلك لأن أخبار عاد وثمود وفرعون كانت منقولة بالتواتر . أما عاد وثمود فقد كانا في بلاد العرب . وأما فرعون فقد كانوا يسمعونه من أهل الكتاب وبلاد فرعون أيضا متّصلة بأرض العرب وخبر التواتر يفيد العلم الضروري والعلم الضروري جار مجرى الرؤية في القوة والجلاء والبعد عن الشبهة فلذلك قال ألم تر بمعنى ألم تعلم » « 2 » . وهذه المعرفة تجعل من غير شك أمثال هذه . الأخبار غير صالحة لأن تكون موطن التحدي أو دليل الإعجاز . وفكّر العقل الإسلامي في هذه الأخبار فرأى ثانيا أن تلك الأقاصيص التي يعتمد عليها القرآن في الإيحاء بنبوة النبي وصدق رسالته لا تشتمل على أخبار يستحيل معرفتها وهي على العكس من ذلك أخبار معروفة لدى أهل الكتاب وإذا كان هناك من استحالة فإنها الاستحالة العادية التي تقوم على أمية النبي محمد عليه السلام أو تقوم على التفصيلات الدقيقة لهذه الأخبار جاء في كتاب تنزيه القرآن عن المطاعن « مسألة : وربما قيل في قوله ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ . كيف يصح ذلك وقد كان هذا الخبر موجودا عند النصارى وغيرهم ؟ وجوابنا أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يخالطهم مخالطة يقف بها على تفصيل هذه الأمور وكان كسائر العرب فبيّن تعالى أنه قد خصّه بهذا الغيب ليعرف به صحة نبوته ولذلك قال :
--> ( 1 ) سورة الفجر ، الآية 6 . ( 2 ) الرازي ، ج 8 ، ص 423 .